حسرة موسيقية

كتبها أحمد عبد الله ، في 7 نوفمبر 2009 الساعة: 21:41 م

قامتها قصيرة ، لم يفلح الكعب العالي في إخفائها .. فستانها أحمر من الحرير ، تتوسطه وردة بنفسجية كبيرة تتكاسل أوراقها في تعرجات ذيله ، مفتوح علي صدر بض و جسد صغير ناعم لم يكشف كل أسرار أنوثته بعد ، وقفت المراهقة الكورية مرتعشة فوق المسرح  لا تعرف هل تسند الفيولينه علي كتفها أم تستند هي عليها ،  علي وجهها خجل لا يجعلك تصدق أنها ستسافر بك  بعد لحظات إلي السماء و أن المسرح سيشتعل ضجيجا بالتصفيق و التصفير ،  بعد قليل سيقف الجمهور البافري المعروف بتحذلقة لتحية العازفة الصغيرة و قد هاله أدائها المعجز ، أداء لم تكتمل له المهارة فحسب بل  اصطبغ بأسلوب خاص  رغم سنوات عمرها القليلة ، كان ذلك في حفل للمواهب الموسيقية الشابة اختتم المسابقة السنوية التي تنظمها إذاعة بافاريا بالتعاون مع أوركسترا الأذاعة الشهير لتكريم شباب الموسيقين الموهوبين من كل العالم .. وقف الجمهور للتحيةو قد بلغت به النشوة منتهاها ووقفت أنا بينه محسورا ، تطاردني ذكري أخر حفل موسيقي حضرته في الأسكندرية للكيان المسمي جدلا " أوركسترا حجرة مكتبة الأسكندرية " ، تذكرت كيف كانوا يحطمون "باخ " و يقذفون  به قطع صغيرة علي الأذان فتتوجع الرؤوس و تقصف الأعمار ، من يومها أقسمت ألا أحضر لهم حفلا و لا أشهد لهم و لقائدهم "المحي الدين " مشهدا حتي لا أثم مستمعا إلي كفرهم الموسيقي و الفني

و طبيعي أن يكون الحال هكذا ، فالجمهور قليل ، و القليل الذي يحضر الحفلات معظمه لا يفهم إنما دفعه الفضول أن يحضر  ففعل مرة أو مرتين ، و هو لا فرق عنده بين موسيقي "باخ " و هلاهيل  "عمر خيرت " فكلاهما يؤلف نوعا واحدا من الموسيقي ـ استغفر الله ـ يريح الأعصاب اسمه " الموسيقي الهادية " .. 

جمهور لا يعرف غير ترقيص الأصا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في ألمانيا : ارفع رأسك فأنت مصري !

كتبها أحمد عبد الله ، في 28 أغسطس 2009 الساعة: 09:43 ص

 لست وطنيا ، ببساطة لا أحرك ساكنا حين يلعب منتخبنا الوطني مبارة حاسمة أمام فريق أفريقي أو غيره و لا يفرق معي فوز أو هزيمة .. ثم أن مصطلح " الوطنية " عندي له معني أخر ، فالوطن ليس إلا حيز الزمان و المكان الذي احتوي وجودك الذاتي ، هو سريرك ، غرفة نومك ، الخطوط البنفسجية في سجادة غرفتك الحمراء ، زنة مصباح مكتبك ، أصوات الشارع ، أصحابك و كل مكان إعتدت الذهاب إليه ، الوطن هو كل صحبة إعتدنا عليها و اعتادت علينا فصارت بيننا مودة ، ثم محبة ،ثم عشرة و ذكري حلوة  يصعب علينا فراقها و نحن في الغربة.

أما " القومية " فهي في رأي أكذوبة ، و مصدر للشرور في تاريخ البشرية و بوابة جهنم العنصرية و الفاشية  . 

و لكني علي كل حال مصري ، و مصريتي لم أشعر بها بحق إلا و أنا في أوربا ، فكيف  يهتز  كياني لسماع صوت عمرو دياب -الذي لا أسمعه في مصر طوعا ! -  خارجا من إحدي السيارت ، فيكون صوته هذه المرة فيضا نوراني يحرك في داخلي  مختلف المشاعر و الذكريات ؟ .. كيف اتبسم مضطربا حين يطالعني فجأه مقالا في جريدة ال Tagzeitung البرلينية عن المصريين و كيف يقضون صيفهم الحارق ، فأقرأ بفضول لذة ممزوجة بحنين خفي ، منتظرا خطأ ما أو معلومة غير دقيقة كي أتمكن من تصحيحها أو علي الأقل تعديلها !

و حين صادفت فتاتين في المترو ، قمرتان تتحدثان بمصرية الطبقة "الهاي" المرقعة بعشرات الكلمات الإنجليزية،  لم أتمالك نفسي مندفعا لأحدثهما طوال الطريق ، مرحبا بهم و عارضا أي مساعدة أقدر عليها أو حتي لا أقدر عليها رغم خجلي الشديد في العادة و صمتي الذي اعتدت أن أتحلي به مع الغرباء حتي لو كان العالم  من حولي يحترق …

أما كيف أشعر أحيانا بأنني صرت  أطول من ما أنا عليه ، كأن روحي قد غادرتني محلقة فوق جسدي ، أو كأن رأسي هي التي ارتفعت لتشق السماء في ثقة  ، فذلك حين رأيت رأس "نفرتيتي "في المتحف المصري ببرلين ، فاتنة لم تمسسها ألاف السنين بضر . شامخة كالزمان ، تتبسم في علياء إمبراطوري مستحق ، يخطف جمالها الأبصار إعجابا و تبجيلا ، أو حين ذهبت الي معرض " كنوز توت عنخ أمون " المقام منذ أشهر عديدة في ميونخ ، حيث لاقي إقبالا غير مسبوق من الزائرين من كل الأعمار مما دفع إدارة المعرض لتمديده حتي نهاية الصيف و ربما امتد لمدة أطول ، بالرغم من أنه 

 لا تعرض هناك قطعة أصلية واحدة تخص الفرعون الصغير أو أحد من أقربائه ، ففكرة المعرض ما هي إلا إعادة بناء محتويات المقبرة في الوضع الأصلي التي كانت عليه حين اكتشفها الخواجات الأنجليز عام 1922 و من ساعتها لم يهدأ للعالم بال و لم يتوقف أحد عن الإعجاب و التعجب .

 مئات الألمان يتزاحمون كل يوم لزيارة المعرض ، و بعضهم يزوره مرتين أو ثلاثة مصطحبين أطفالهم الأكثر استثارة من الجميع . فأجد في نفسي و موظفة المعرض تراجع تذكرتي ، م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“أوراق ألمانية ” ٢ .. تعليق علي ما حدث لمروة الشربيني.

كتبها أحمد عبد الله ، في 5 يوليو 2009 الساعة: 18:56 م

 

ليست هذه هي المرة الأولي التي يتعرض فيها الأجانب لإعتداءات دموية  في " درسدن " عاصمة ولاية "زاكسن " بشرق ألمانيا ، ففي العام الماضي تعرض ٨ من الهنود للضرب المبرح و قتل من بينهم ثلاثة تأثرا بجراحهم،و تتكرر حوادث الإعتداءات علي الأجانب في الولايات الشرقية بألمانيا كل يوم ، و المتهمون في معظم الحالات هم هؤلاء الذين يطلق عليهم " النازيون الجدد " و الذين يتمركزون في الولايات الشرقية في ألمانيا و التي شكلت فيما مضي قبل سقوط جدار برلين  ما يعرف بجمهورية ألمانيا الشرقية .

تعاني تلك الولايات من الفقر و البطالة بنسب كبيرة ، و رغم أن كل مواطن ألماني غربي سابق يدفع من جيبه ضريبة منذ عشرين عاما لإعمار شرق ألمانيا و رفع مستوي المعيشة هناك ، فإن المسألة مازالت معقدة بل و ازدادت تعقيدا عقب الأزمة الإقتصادية الأخيرة ، و الحق أن الحكومات الألمانية المتعاقبة منذ الوحدة و حتي الأن لم توفر جهدا من أجل مساعدة الشرق علي النهوض و تقليل الفجوة العظيمة بينه و بين الغرب الغني و إستئصال أمراضه العديدة التي خلفتها أربعين عاما من حكم ديكتاتوري فاسد  من أجل أن تكون هناك ألمانيا موحدة بحق علي أسس من العدالة و المساوة . و قد شهدت  مدينة برلين علي سبيل المثال في السنوات العشرين الأخيرة من أعمال التطوير و التحديث ما لم يحدث لأي مدينة أخري في العالم علي مدار مائة عام ، و رغم كل هذا المجهود الكبير مازالت الفجوة كبيرة ، و مازال الألماني الشرقي هو الأفقر و الأقل عمرا و الأكثر إكتئابا و إقبالا علي الإنتحار ( يذكر أن بعد سقوط الجدار هاجر مليون و سبعمائة ألف ألماني من الشرق و تفرقوا في مدن الغرب باحثين عن فرص أفضل للحياة ) . 


وأينما وجد الفقر و البطالة و غابت الحلول لمواجهتهما ، وجد التطرف و قد يتفشي و يبلغ حدا يصبح فيه خطرا كبيرا ، و هذا أمرا يعرفه العالم كله ، فالمتطرفين في كل بلد و لهم أشكالا إيدولوجية و دينية و سياسية لا تنتهي و لكنهم في النهاية متشابهون متعصبون


و قد عرفناهم في مصر ، جماعات الإسلام المسلح و التكفير ، التي فجرت عشرات السيارات و المحلات و هاجمت الأفواج السياحية و قتلت مئات المصريين و الأجانب ..


فالنازيون الجدد في ألمانيا ليسوا إستثناءا ، بل هم شكل من أشكال الإرهاب التي لا تنتهي ، فالأرهاب كهيدرا اليوناينة التي لها تسعة رؤوس ، إذا ما قطعت لها رأسا ، خرجت لها رأسا جديدة …


و " النازيون الجدد " مكروهون في ألمانيا بشدة ، و تحاربهم الحكومة و تندد بهم في كل مناسبة و الغريب أن لهم تمثيل سياسي صغير و لكنه خطير ، فرغم أنه يحظر عليهم العمل السياسي ,لكنهم يتخفون تحت غطاء الحزب الديموقراطي القومي (NPD)  ثم يستطيعون بذلك ترشيح أنفسهم،مثلما يفعل الإسلاميون في بلادنا ( الأخوان المسلمون في مصر مثلا ) حين يرشحون أنفسهم كمستقلين أو يندمجون في كتلة سياسية معترف بها، و الحزب القومي الديموقراطي حزب  صغير جدا و لكن ثلاثة أرباع أعضاءه من هؤلاء النازيون ، وهو ليس له أي تمثيل برلماني حتي الأن ، ففط في بعض المجالس المحلية . فالقانون الألماني يمنع أن يكون لأي حزب تمثيل برلماني إذا لم يحصل علي حد أدني من الأصوات يقدر ب٥ ٪ و هو ما لم يستطع ذلك الحزب المشبوه تحقيقه..و لكنه ربما فعلها في القريب العاجل !


و هناك نقاش حاد في ألمانيا من سنوات طويلة إذا كان من المفيد حظر هذا الحزب و حله ، المؤيدين لحظره يرون في الحزب خطرا كبيرا و عارا علي الديموقراطية الألمانية بينما يري المعارضون أن من الأفضل أن يبقي الحزب علي ما هو عليه ، ففي ذلك التمثيل الحزبي تحجيم  لهؤلاء النازيون ، يجعلهم دائما تحت  المراقبة  كي لا ينخرطون في جماعات سرية بعد ذلك يصعب السيطرة عليها …

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أوراق ألمانية “١” … لو كانو أقل نظاما !

كتبها أحمد عبد الله ، في 6 يونيو 2009 الساعة: 13:27 م

 

في الأيام القليلة التي سبقت نهاية الحرب العالمية الثانية (٨ أيار ١٩٤٥)  ظل النازيون يقاتلون رافضين الاستسلام في معارك هي بكل منطق خاسرة ، أربع دول يدوسون ألمانيا شرقا و غربا و شمالا و جنوبا ، تتوالي انتصارتهم المنطقية بينما يزداد النازي صمودا عجيبا فلا تكون النتيجة غير مزيد من الخسائر الطائلة في الأرواح و خراب ألمانيا و بنيتها التحتية و منشأاتها الحضارية الذي كان من الممكن ببساطة تجنبه لو تعامل الألمان بحكمة مع الأمر الواقع لا محالة ، الهزيمة الساطعة كالشمس …

بلغت المقاومة النازية حدا أن الإستدعاءات للتجنيد قد زدات بجنون في الأيام الأخيرة ، و لأنه لم يعد هناك رجال ، فقد استدعي أطفالا في الثالثة أو الرابعة عشر من عمرهم لا خبرة لهم في القتال و لا غيره ، أبرياء ألقوا في ميدان معركةخسارتها محتومة ليموتوا عبثا و بهتانا . 

  علي صعيد أخر استمرت حتي اللحظات الاخيرة عمليات تعذيب اليهود و غيرهم في معسكرات الاعتقال الرهيبة و استمرت أجكام الإعدام علي من اعتبرهم النازي أعداء للنظام من مقاومي هتلر ، الذين دعوا للاستسلام قبل فوات الأوان ( جماعة الوردة البيضاء و غيرهم من المقاومين الشباب ) ، بل ان من بين تلك الاحكام ما اصدر و الحلفاء قد وصلوا برلين ! أي قبل ساعات من نهاية كل شىء . 

الحق أن  كل ألماني  كان يعلم قبل شهور من نهاية الحرب أن الهزيمة قدرا محتوما و أن كل الدعاية النازية قد كشف زيفها و بطلانها ، لماذا إذن هذا التعنت ؟ جنون ؟ ، وحشية زائدة ؟ ،إيمان شديد  وولاء لهتلر و النازية ؟ .

.لا هذا و لا ذاك ، أو قبل هذا أو ذاك تقديس الشخصية الألمانية  للنظام  و الطاعة، الألماني يقدس العمل داخل هيكل و وفق خطة مرسومة مسهبة الدقائق و التفاصيل ، يولع  بالبيروقراطية و آليات التنفيذ و يقبل عليها في تفان و طاعة  حتي و إن اتضح أن الهيكل ينهار و أن الخطة  بتفاصيلها اللانهائية لا ينتظر منها غير الفشل بقي الألماني مع ذلك في موقعه منكبا علي عمله و مؤديا مهمته في صبر و حتي الرمق الأخير ، فالعمل قيمة في ذاته ، و ربما كان أعظم من  من كل قيمة أخري …

لذلك بقي النظام النازي يعمل إكلينكيا حتي في أثناء احتضاره دون تأثر و كأن النار لا تضرم في كل مكان من حوله مدفوعا بطاقة لا واعية من تبجيل للطاعة و النظام ، و تضاعفت خسائر كانت لتحتوي لو كان الألمان  أكثر عملية أو عندهم نصف ما عند الأمريكان من مرونة و لباقة …

في عام ١٩٣١-قبل عامان من بلوغ هتلر الحكم ـ ظهرت في ألمانيا مسرحية بعنوان " نقيب كوبنيك" *Der Hauptmann von Köpnik مؤلفها هو كارل تسوك ماير Carl zuckmayer و كان قد استمدها من قصة حقيقية حدثت في بروسيا في عام ١٩٠٦ . فيلهلم فويجت مواطنا ألمانيا كان  يعمل و يعيش في بوهيميا (التشيك حاليا) و اشتاق للعودة إلي وطنه و لمكن السلطات في ألمانيا رفضت اعطاءه الإقامة بحجة أنه ليس لديه تصريح عمل و هو  في الوقت ذاته لا يمكنه أن يحصل علي تصريح عمل قبل أن يكون لديه إقامه . و هكذا اختنق فويجت في دائرة البنود و اللوائح البروسية و لم يجد خلاصا بل انتهي مصيره إلي السجن و حين خرج قرر أن ينتقم فاشتري من بائع ملابس قديمة بدلة نقيب عسكرية لمعها و لبسها و خرج إلي الشارع فصادف في طريقة فرقة عسكرية صغيرة كانت قد في طريقها لثكناتها فأوقفها و أمرها أن تتبعه فنفذت ذلك فورا في طاعة عمياء دون سؤال و تبعتها فرقه أخري و أمرهم جميعا بالتوجه إلي مكتب الحي و احتلاله ، ففعلوا ثم توجه إلي رئيس الحي و أمره بأن يتبعه لأنه مقبوض عليه و ذكره بأن كمواطن ألماني صالح عليه بالطاعة و التنفيذ أولا و فورا ثم يأتي بعد ذلك السؤال عن السبب ، و بالفعل تبعه رئيس الحي مكب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

” لا يا روح قلبي ” … الأغنية التي قتلت أصحابها !

كتبها أحمد عبد الله ، في 17 مارس 2009 الساعة: 16:13 م

حادثة عجيبة عرفها تاريخ الغناء العربي ، حين قررت المطربة " فايزة أحمد " المعروفة إعلاميا أن ذاك بكروان الشرق أن تغني أحد ألحان الموسيقار الكبير رياض السنباطي  و الذي ربما كان أخر ألحانه ، أغنية "لا يا روح قلبي " التي كتب كلماتها الشاعر الغنائي الكبير "حسين السيد " ، و بدأ السنباطي في العمل ببطأ شديد كعادته مع كل أغنية ، كان السنباطي أن ذاك يعيش صحوة فنية حقيقية بعد فترة طويلة من العزلة التي فرضها علي نفسه أو ربما فرضتها الظروف الفنية المستجدة عليه ، فتر قضاها متوقفا عن العطاء حتي كاد نبع فنه أن يجف بعد رحيل الصوت الذي لطالما ألهمه فنسج عله نوله أروع الألحان ، أم كلثوم ، عاود السنباطي نشاطه الفني قبل وفاته بأشهر قليلة و لم يمهله القدر من إكمال لحن "لا يا روح قلبي " فرحل في سبتمبر ١٩٨١

 

الثلاث سنوات الأخيرة في حياة فايزة أحمد كانت درامية لأبعد الحدود فقد طلقت من زوجها و رفيق رحلة عمرها "محمد سلطان "

  لأسباب غير مفهومة ، عنادها المسؤول عنها ، ثم تزوجت بعد طلاقها مباشرة من ظابط يصغرها بأكثر من عشرة سنوات ، عذبها و سرق أموالها  و أهانها سبا و ضربا فسائت حالتها النفسية و تدهورت صحتها أيضا و كأنها علي موعد مع الألام فتصاب بالمرض الخبيث في ثديها ، و تحصل بإعجوبه علي الطلاق من الزباني الذي أذاقها المر و تعود لحبيبها القديم "محمد سلطان " الذي ظل بجانبها في الوقت الضائع  مخلصا محبا حتي وفاتها 

و رغم أن طلاق "فايزة " و "سلطان " بعد قصة حبهما الغامر خسارة عظيمة بالمقاييس الإنسانية فأنه بالمقاييس الفنية مكسب كبير لفايزة أحمد . فلم تستطع فايزة أن تدرك طوال سنوات زواجها بسلطان التي احتكر فيها صوتها ليلحن له وحده كل الأغاني أن زوجها  ليس بهذه الألمعية و أن حنجرتها الغنية الدافئة أعظم من أن توضع تحت تصرف ملحن واحد حتي لو كان عبد الوهاب نفسه فما بالنا بمحمد سلطان ؟ …. 

أسقط الطلاق "السلطان " من عرشه ، و انطلقت حنجرتها حرة تتنفس أفاقا فنية جديدة ، فكان لحن بليغ حمدي الخالد " حبيبي يا متغرب " الذي انطلق فيه صوتها كروانا طائرا يأسر المستمعين بسلطان إبداعه دون أن يكون لمحمد سلطان دخل في ذلك ! ففايزة أحمد كما قال عنها عبد الوهاب هي "السلطنة .. بعيدا عن سلطان !! "

للأسف الشديد لم يكن قد تبقي وقتا طويلا لفايزة في مرحلتها الجديدة ، فقد كانت علي موعد مع القدر .. مع المرض و العذاب و الإفلاس .. و يعود إليها محمد سلطان ليجدها بلا حول و لا قول ، مريضة فقدت أموالها و نصف وزنها و بقت حنجرتها أعجوبة  في صمودها ، تزداد سحرا و فتنة مع الأيام .. الأيام الأخيرة .. 

و كانت "لا يا روح قلبي " لحن رياض السنباطي هي الأغنية الأخيرة , و التي عانت فايزة أحمد الآمرين من أجل غنائها فبعد وفاة السنباطي تهدد المشروع بالتوقف ، لولا أن تقرر أن يقوم ابنه أحمد السنباطي الذي كان  قد تزوج من ابنه فايزة أحمد أثناء بروفات الأغنية مع ابيه بآكمال اللحن الذي قيل أنه لا ينقصه غير رتوش قليلة ( و هو ما يفسر الدهشة التي قد تخطر بعقل المستمع الواعي حين يستمع الي طريقة إعداد الأغنية الأوركسترالي و الحليات الإيقاعية الغربية التي لم يلجأ إليها السنباطي الأب أبدا في حياته )  ثم دخلت فايزة في دوامة المرض و الزواج الفاشل و استغرق العمل في الأغنية سنوات ، ثم يشاء القدر أن يموت الشاعر الكبير حسين السيد مؤلف الأغنيه في فبراير ١٩٨٣ ، و تعود فايزة أحمد من رحلة علاجها الفاشلة بأمريكا و التي أيقنت فيها و أيقن من حولها استحاله شفائها و لكنها أصرت  بعنادها المعروف علي تسجيل الأغنيه رغم سوء حالتها الصحية الشديد و لم تفلح كل محاولات من حولها و علي رأسهم حبيبها الفارس العائد محمد سلطان  في إثنائها فظلت تصارع الألام و تصرعها طوال أيام التسجيل الأربعة لتسلم الروح بعد أيام قليلة من إنتهاء التسجيل 

خرجت "لا يا روح قلبي " إلي النور  بطلوع الروح ! .. روح ملحنها و مؤلفها و من غنتها ، لتكون حالة فريدة في تاريخ الأغنية المصرية و إذا كانت تبدو فأل شؤم علي أصحابها فهي أيضا فاتحة خير بما تركته من آثر في قلوب عشاق الطرب الأصيل ، غنت فايزة أحمد "لا يا روح قلبي " كما لم تغن من قبل ، صوت لا أثر فيه لمرض أو ألم ، يشدو بدلال فاتن و بإحساس يأخذك بصدقه بعيدا إلي أفاق العشق و الغرام ، و يتركك مهتاجا ، مشجونا ، لا تسترد نفسك إليك إلي بقطع الأنفس و ترديد آهات الأعجاب : الله .. يا ست فايزة ! 


إليك كلمات الأغنية التي كتبها الشاعر الرقيق حسين السيد ،   غنتها فايزة أحمد و لسان حالها يبكي حالها و يهمس حبا لرفيق ١٧ من الغرام و النجاح ، محمد سلطان …..


لا يا روح قلبي ، قلبي أنا 

مش أنا الي أحب و انسي ، مش أنا 

ابعد أنت ، و مهما هيكون الألم 

مش هفكر فيك بلوعة أو ندم 

الليالي ، الي عاشها الحب وياك ملكي وحدي 

مهما تبعد مش هتاخد ليلة واحدة م اللي عندي 

لا يا روح قلبي أنا 

مش أنا الي أحب و انسي 

مش أنا

****

يصعب عليه ، انسي رحلة عمري كله معاك 

يصعب عليه ، لما تيجي سيرتك و اقول هنساك

لكن انسي ليه ؟

أنا هنسي أيه ؟

من قبل حبك أنا كنت أيه ؟

كانت حياتي أنا فيها أيه ؟

فراغ و وحدة و شوق سهران 

و شموع تونسها جدران 

لا حب فيها و لا حرمان 

من النهاردة حعيش لأجمل حلم شفته 

و هفتكر بدموع أحلي عمر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

يحيا الهلال مع الصليب .. و يسقط الفن إلى الحضيض !

كتبها أحمد عبد الله ، في 4 مايو 2008 الساعة: 11:17 ص

jesus

 

 

قامت الدنيا و لم تقعد عندما أعلن المخرج الأردني "محمد عزيزيه " عن نيته فى تناول شخصية "المسيح " فى فيلم سينمائى أعطى له إسم " المسيح العربي" و قال أن الفيلم سينقل شخصية المسيح برؤية إسلامية تطابق ما ورد فى القرآن و السنة النبوية من نصوص بشأن حياته و مماته و تعارض بالضرورة عقيدة الصلب و الفداء المسيحية و التى وقف منها القرآن موقف المنكر المعارض لها ….

المؤسساتان الدينيتان إجتمعتا على وأد الفيلم و هو سيناريو رضيع قبل أن يبدأ التصوير , لحظة نادرة كان على الصحافة و الإعلام الإسراع فى رصدها و الإحتفاظ بها مأرشفة لكى تنفع فى اليوم الأسود حين تشتعل الحرائق الطائفية و يهب الإعلام مفزوعا للتغطية فلا يجد مأربه إلا فى القصص الخيالية و المشاهد المسرحية .. اليوم يتصالح الهلال و الصليب و يعانق الشيخ القسيس لأول مرة بصدق !

           

مازال الأزهر  فى مصر على موقفه الصلب الذى ينفرد به بين كل الؤسسات الدينية وهو معارضة تجسيد الأنبياء و الصحابة المقربين على شاشة السينما أو فوق خشبة المسرح بحجة تقول أنه لا يوجد و لن يوجد الممثل الذى سوف تتسامى أخلاقه حتى تبلغ شرف تجسيد النبي أو الصحابي , ثم كيف بممثل يقوم بتجسيد دور نبي من الأنبياء ثم نجده فى فيلم أخر يجسد دور قواد أو داعر ؟! .. منطق يشبه " التيتينه " يصلح لإسكات الاطفال الرضع فحسب  .. فعلاقة الممثل بالشخصية التى يؤديها تبدأ فى مرحلة التحضير للفيلم و تنتهى بإنتهاء التصوير و من النادر أ يدعى الممثل النبوة بعد إنتهاء الفيلم أو ان ينافس شيوخنا فى التكلم باسم الله !

 و حين يبحث المخرج عن ممثل يقوم بدور سفاح فهو عادة لا يشترط أن يكون الممثل قد قتل ثلاثة على الأقل فى حياته  و إذا كانت الشخصية هى مريض بالقلب مثلا فإن ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

جهاد فى سبيل الحب .. أم فى سبيل الجائزة

كتبها أحمد عبد الله ، في 10 مارس 2008 الساعة: 22:52 م

جهاد في سبيل الحب .. أم فى سبيل الجائزة …

 

كثير من اللغط أثاره فيلم المخرج الباكستانى الأصل "بافز شارما " " جهاد فى سبيل الحب "  A Jihad for Love بعد عرضه فى مهرجان برلين الدولى هذا العام , لغطا معد له مسبقا من قبل المخرج و المنتج , يخيل إلى أنهم قد شرعوا فى الإعداد له قبل أن تصور من الفيلم  لقطة واحدة و ربما قبل ان يكتب أصلا .. ففيلم كهذا يشعرك أن فكرته ولدت فى رأس أصحابها و معها توأمها : الرغبة الحثيثة فى الشهرة !

إذن فهو فيلم للشهرة , كان له نصف ما أراد بأن عرض في اثنين من كبرى المهرجانات العالمية فى أوربا  , مهرجان تورنتو الدولى ثم مهرجان برلين حيث نال هناك نال إقبالا جماهيريا كبيرا و اهتماما اعلاميا خاصا أما  النصف الثانى فلم يتحقق  و هو حلم نيل إحدى الجوائز الهامة, جائزة "الدب اللعبة ّ" Teddy award  و هى جائزة  مسابقة شهيرة على هامش المهرجان تعقد  منذ عام 1987 ( فاز بها لأول مرة المخرج الأسباني الشهير "بيدرو ألمادوفار عن فيلم "  قانون الرغبة " )تخصص  للأفلام التي تتناول الجنسية المثلية و ما يرتبط بها من موضوعات و قضايا و تلقى رواجا إعلاميا كبيرا و ترحيبا من أوساط سياسية و حقوقية رفيعة المستوى في بلد تلقى منه قضايا المثليين و حقوقهم عناية خاصة و تشغل مكانا مهما بأجندته السياسية و الإجتماعية …

بذل "بافز شارما" مجهودا كبيرا من أجل الدعاية إلى فيلمه , و نجح فى ذلك كل النجاح , كان " جهاد في سبيل الحب " أول فيلم اسمع اسمه فور وصولي إلىpotsdamplatz  لشراء التذاكر , الناس لم يكونوا قد رأوه بعد و لكنهم كانوا يتحدثون عنه بحماس و يتهافتون على شراء تذاكر دخوله و التي نفذت كلها قبل ثلاثة أيام من أول عرض له بالمهرجان . " بافز شارما " يفهم جيدا ما الذى يريده المواطن الأوربى العادي أن يراه فى الشرق , يفهم عقليته التي ماتزال تحتفظ بتراث إستشراقي عتيد يجعل من الشرق موطن الخبايا و الأسرار و يرسم له صورة تفوح منها رائحة الأساطير , ذلك الشرق المجهول النائي ترك اليوم أجوائه الأسطورية و أصبح في منتصف حلبة الصراع يقف هو و دينه و تقاليده و ثقافته في مواجهة الحضارة الغربية مشكلا خطرا حقيقيا عليها  .. قرأ "شارما " كل ذلك جيدا و استشعر فضول الإنسان الأوروبي  المتزايد لرؤية فاعلية القيم التي يحترمها و يبجلها في الشرق المسلم  , هل هو قادر على استيعابها و التأقلم معها أم أن الصدام واقع لا مفر منه ؟  

اختار شارما قضية إضطهاد المثليين فى البلدان الإسلامية , قضية شديدة الحساسية و منطقة غائرة مظلمة  تفصل بين الشرق المسلم و الغرب العلمانى بمقدار سنين ضوئية , و أمر تعتبره منظمات حقوق الإنسان الدولية نقطة سوداء كبيرة فى الملف الحقوقي لهذه الدول يكفى لتجريمها و تضييق الخناق عليها , و موقف الدول الإسلامية من الجنسية المثلية لا يحتاج إلى مجهود كبير لفهم مبرراته فهو فى الأساس نابعا من الموقف العنيف الذى نص عليه الشرع الإسلامى فى أكثر من موضع  فى إطار الحديث عن أل لوط الذين ذكرهم العهد القديم أيضا , تناول القرآن قصتهم منفرا , مستنكرا و متوعدا بسوء العاقبة و المصير  فهو " فاحشة " نكراء , و معصية عظيمة يضيق المكان بتفصيل ما ورد فيها…

" و لوطا إذا قال لقومه أتآتون الفاحشة ما سبقكم بها أحد من العالمين, إنكم لتاتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون " الأعراف 80 و 81

" و لوطا إذا قال لقومه , إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها أحد من العالمين,إنكم لتاتون الرجال و تقطعون السبيل و تأتون فى ناديكم المنكر " العنكبوت 28و29  

و تحدث القرآن عن عقابه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فوق سماء برلين .. و فوق الأرض أيضا !

كتبها أحمد عبد الله ، في 29 فبراير 2008 الساعة: 08:57 ص

إذا كانت باريس هي مدينة النور و الحب و قبلة كل حالم بالجمال يجرى عشق الفن في عروقه فإن برلين اليوم اكبر منافسيها , معرضا للدنيا , تلخص العالم و تفتتح ذراعيها بحب لكل رياح ثقافية هبت شرقا أو غربا , مدينة كان التاريخ أستاذها الكبير و مؤدبها الأول , لقنها أصناف شتى من عبره و دروسه ,عرفت من التجارب مرها و من الخطوب أقساها و صارت  أحضانها ثقيلة بما تحمله من  تقلبات الدهر  , تستنشقها فى شوارعها , تقرأها  على جدرانها و في عيون أجيالها ..

المجد , الحرب , السقوط , التقسيم ثم الوحدة  و تحديات حاضر يستشرف أفاق المستقبل بخطى واثقة تعلمت بعد طول تردد كيف تمشى في ثبات …

أغرمت بها منذ اللحظة الأولى , تراها و أنت طائرا قمرا يتوهج فوق الأرض , يشير إليك برج  الإذاعة و التلفزيون الشهير  بمعماره الفريد و ارتفاعه الشاهق  معلنا لك أن سماء برلين لا يمكن أن تخطئها العين  , على الفور تذكرت "فيم فندرس " العبقري الذي طاف بنا فوق"  سماء برلين " Der Himmel Uber Berlin في فيلم يعد من العلامات في تاريخ السينما , اصطحبنا فيه فوق  بساط كاميراته الساحر و في أجواء فنتازية  

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ليلة تاريخية مع " أزنافور " !

كتبها أحمد عبد الله ، في 18 يناير 2008 الساعة: 16:30 م

أعترف بأننى لست من عشاق " شارلز أزنافور " , هؤلاء الملايين المغرمين به و المرددين لأغانية على مدار سنوات طويلة جاوزت النصف قرن ..

فليس فى موسيقاه أو غناءة شيئا كثيرا يجذبنى , و إذا كان لابد من الإستماع إلى شىء من الغناء الفرنسى فإننى أفضل عليه   (سته و تاج راسه ) و من كانت لها عليه من الفضل الكثير  "إديث بياف " .. فهى فى رأيي أجمل صوتا و غنائها أكثر تنوعا .. لذلك يعد الدويتو الشهير الذى جمعهما " كثير هو اللون الأزرق فى عينيك" و الذى فتحت به "بياف " لأزنافور أبواب التاريخ ليدخل إليها ثم لا يخرج أبدا هو أكثر أغنياته قربا إلى قلبى , و لكن لا مانع أبدا من  أن أستمع إليه فى أغنيات أخرى فى أوقات متفرقة و أهتز طربا لها أو يتردد لحنها فى ذهنى بدون مناسبة مثل " La Boheme  " و "comme ils disent  " أو "كما يقولون " ..

و لكننى بقيت على كل حال أنظر إليه نظرة إكبار و تبجيل , فهو رجل تاريخى , أحد هؤلاء الشوامخ الذين يعرفهم كل عصر , يبقون طويلا و قد أوشك زمنهم على الأفول فيلخصون بوجودهم الآنى كل تجاربه , الحلو منها و المر , الأحلام التى تحقق منها ما تحقق و أخفق منها الكثير و إرجىء بعضها إلى جيل أخر ربما هيئت له الأقدار ظروف أفضل لتحقيقها

 ك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السينما الألمانية .. فاكهة الEurocinema …

كتبها أحمد عبد الله ، في 8 ديسمبر 2007 الساعة: 12:20 م

السينما الألمانية .. فاكهة ال Eurocinema  *

 

 

"باول فاجنر " , "فريتس لانج " , " مورناو " , " فولفجانج شتاوده " ,

"فاسبيندر " و "فيم فندرس ".. و عشرات غيرهم من المبدعين الألمان , أثروا السينما بأفكارهم و تجاربهم الخلاقة و حافظوا على فردانية هذا الفن هناك و أصالته , مجددين من دماءه رغم تعاقب المحن عليه , محلقين به إلى أفاق رحبة من الموضوعات و الجماليات .

 و تعود  برلين اليوم بإستديوهاتها العملاقة و مهرجانها الشهير محطا لأنظار المهتمين بالسينما فى كل العالم , و يعود الفيلم الألمانى ليتواصل مع تاريخه العتيد , يصلح ما انقطع و يستعيد عافيته مشرقا كل حين بوجه جديد

و فى مهرجان الEuro Cinema  بالأسكندرية نشاهد التجربة السينمائية الأولى لإثنين من المخرجين , أحدهما فاز بالأوسكار و الأخر على عدد كبير من الجوائز , مما يبشر بمستقبل واعد لكلا المخرجين , و شباب دائم للسينما الألمانية .

 

******

" حياة الآخرين " .." تسقط إمبراطورية الخوف !"

 

 

 

لو تتبعنا مسار السينما الألمانية منذ نشأتها فى نهاية القرن التاسع عشر و حتى اليوم لوجدنا أنها من أكثر السينمات فى العالم إرتباطا بتاريخها السياسى , إما بالدعاية له كما حدث خلال الحقبة النازية أو بعض الأفلام التى إنتجت فى ظل النظام الشيوعى بألمانيا الشرقية ,  إما بعكس وقائعه أو تحليلها خلال مراحله المختلفة  المضطربة . و لعل مرجع ذلك إلى أن الإنسان الألمانى لم يعد فى مقدوره  أن يعزل نفسه عن هذا التاريخ , إن الأحداث الجسام و التحولات العظيمة التى مرت بها أمته من حربيين عالميتين ثم سقوط مدوى و إنقسام مرير إلى تحديات ما بعد الوحدة , كل هذا الزخم السياسى يشكل خلفية فكرية لحياة الشعب الألمانى لها اليد العليا فى صنع قراراته و اختيار مواقفه و هى بالتالى تفرض حضورها حيا قويا فى عقل المبدعين هناك .

منذ سقوط سور برلين عام 1989 دخلت السينما فى ألمانيا مرحلة جديدة تهدف إلى تقييم مرحلة الإنقسام السابقة و كشف أغوارها التى كانت من قبل محاذير محكمة الغلق لا يمكن الإقتراب منها ..

فى فيلم Das Leben der Anderen  أو "حياة الآخرين " تنقلنا الأحداث إلى برلين الشرقية عام 1984 , هذا العام الذى إختاره " جورج أورويل ( 1903-1950) George Orwell ليكون مسرحا لنبؤاته السياسية فى روايته  الاخيرة و الشهيرة "1984" , التى تتشابه خطوطها الرئيسية و أحداث الفيلم فشخصية الأخ الأكبر Big Brother الذى مارس تسلطه السياسى بمراقبة أصغر التفاصيل فى دولته حاضرة , ممثلة فى النظام الألمانى الشرقى و دكتاتورية حزبه التى كانت سياسات الجاسوسية و الترهيب مفردات فلسفتة الرئيسية …

يخوض بنا الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار و 42 جائزة أخرى الأجواء العتمة لنظام شمولى بوليسى إذا كانت أوربا قد تخلصت منه بعد سقوط السور و تداعى دكتاتوريات أوربا الشرقية , فمازلنا نحن شعوب الشرق الأوسط نرسف فى أغلاله و نبغى خلاص قريب ..

و لأن الفن هو الحرية , فلابد أن تشهد ساحاته أشرس صراعا مع الإستبداد لذلك اختار مخرج الفيلم Florian Henckel von Donnersmarck شخصية كاتب مسرحيا هو " جورج دريمان " ليكون بطله فى مواجهة إخطبوط السلطة , فهو رغم إلتزامة الإشتراكى يقف بشجاعة موقف المعارض لسياسات الحزب البوليسية و يعلن إستياءه صراحة مما يسبب له المتاعب و قد شعرنا أن هذه الشخصية البراقة التى تتعاطف معها فور ظهورها على الشاشة مستوحاه من شخصية هرم المسرح الألمانى الحديث " برتلوت بريشت " Bertolt brecht  المعروف بحماسته الثورية ضد الإستبداد , فقد حارب النازية فى منفاه حرب ضروس , و لم يمنعه إيمانه الماركسى حين عاد إلى ألمانيا الشرقية من توجيه الإنتقادات لحكومتها . و مثل " دريمان " كان "برشت " متزوجا من ممثلة هى "هيلينه فيجل " التى قامت بدور البطولة فى عدد من مسرحياته مثلما مثلت كريستا ماريا  بطلة الفيلم فى مسرحيات حبيبها. بل  لقد أطل "بريشت " بإسمه علينا فى الفيلم , فهو الكاتب المفضل لدى "جورج دريمان " و هو الذى بسطوره الشعرية الرقيقة أيقظ واعظ الضمير فى نفس المحقق"فيسلر" Wiesler  لتعود إليه إنسانيته التى تاهت فى عتمة إنتماءه الحزبى .

 

يكلف " فيسلر " بمراقبة الكاتب " جورج دريمان " لشكوك الحزب فى إنتماءاته , يراقب التليفون و تزرع الميكروفونات فى بيته فى كل مكان لتصبح " دبة النملة " مسموعة ..

"فيسلر " شخص باهت , صارم التقاسيم , يلبس لونا واحد , رمادى كريه يتحد بلون حوائط غرفة المراقبة فيخفيه , شديد الإنضباط حتى فى ممارسته للجنس  إنه أقرب إلى أله منه إلى إنسان أو هو الإنسان المثالى الذى يريد أن يخلقة النظام الشمولى , عقربا فى ساعته , مسمارا فى آلته الهائلة لا وجود و لا معنى له خارجها , الإنسان المعلب الذى تحدث عنه ألدوس هكسلى فى روايته " عالم رائع و جديد "

لم يخطر ببال المحقق " فيسلر " أن تغير عملية مراقبته "لجورج دريمان " مجرى حياته , لقد واظب عليها ليلا و نهارا و إذ بها و قد أخذت بشغاف قلبه و ملكت عليه وجدانه و نفخت داخله روح حياة حقيقية ليست حياته السابقة فى مقابلها إلا الموت بعينه , تخرج إنسانيته المكبوته فى قممها سنوات طويلة , يكبر ضميره على أحاديث الحب والحرية التى إستمع إليها مأخوذا بهذا العالم الذى لم يعرفه , أحاديث إرتجت أصدائها داخله فعصرته , بدلته , فإذ به يضع تقاريرا ذائفة تضلل الحزب و تخفي حقيقة ما يجرى فى بيت "جورج " من كتابة مقال عن معدلات الإنتحار المتصاعده فى ألمانيا الشرقية وعدد الفنانين الذين أقدموا على ذلك مما يشير بأصابع الإتهام إلى ممارسات الحكومة القمعية ..

كان Ulrich Mühe الممثل الذى قام بدور "فيسلر " عظيما فى أداءه إلى حد الإعجاز , هذا الممثل العبقري قد فارق الحياة منذ أشهر قليلة و قد صرح يوما بأنه عرف فى حياته ما عرفه "جورج دريمان " . فقد كان يعمل ممثلا  مسرحيا بألمانيا الشرقية و تعرض للمراقبة من قبل الحزب الشيوعى و اكتشف أن زوجته كانت تتجسس عليه لصالح الحزب و كذلك عدد من أصدقائه .. أعتقد أن مخرج الفيلم لم يكن يحلم بأكثر من تلك البراعة فى الأداء التى تدفقت بها موهبة فاحشة الثراء إستطاعت أن ترصد الشخصية فى مختلف تطوراتها و تقلباتها

كذلك كان أداء Martina Gedeck , الممثلة جميلة الملامح التى برعت فى تصوير

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي