حادثة عجيبة عرفها تاريخ الغناء العربي ، حين قررت المطربة " فايزة أحمد " المعروفة إعلاميا أن ذاك بكروان الشرق أن تغني أحد ألحان الموسيقار الكبير رياض السنباطي و الذي ربما كان أخر ألحانه ، أغنية "لا يا روح قلبي " التي كتب كلماتها الشاعر الغنائي الكبير "حسين السيد " ، و بدأ السنباطي في العمل ببطأ شديد كعادته مع كل أغنية ، كان السنباطي أن ذاك يعيش صحوة فنية حقيقية بعد فترة طويلة من العزلة التي فرضها علي نفسه أو ربما فرضتها الظروف الفنية المستجدة عليه ، فتر قضاها متوقفا عن العطاء حتي كاد نبع فنه أن يجف بعد رحيل الصوت الذي لطالما ألهمه فنسج عله نوله أروع الألحان ، أم كلثوم ، عاود السنباطي نشاطه الفني قبل وفاته بأشهر قليلة و لم يمهله القدر من إكمال لحن "لا يا روح قلبي " فرحل في سبتمبر ١٩٨١

الثلاث سنوات الأخيرة في حياة فايزة أحمد كانت درامية لأبعد الحدود فقد طلقت من زوجها و رفيق رحلة عمرها "محمد سلطان "
لأسباب غير مفهومة ، عنادها المسؤول عنها ، ثم تزوجت بعد طلاقها مباشرة من ظابط يصغرها بأكثر من عشرة سنوات ، عذبها و سرق أموالها و أهانها سبا و ضربا فسائت حالتها النفسية و تدهورت صحتها أيضا و كأنها علي موعد مع الألام فتصاب بالمرض الخبيث في ثديها ، و تحصل بإعجوبه علي الطلاق من الزباني الذي أذاقها المر و تعود لحبيبها القديم "محمد سلطان " الذي ظل بجانبها في الوقت الضائع مخلصا محبا حتي وفاتها
و رغم أن طلاق "فايزة " و "سلطان " بعد قصة حبهما الغامر خسارة عظيمة بالمقاييس الإنسانية فأنه بالمقاييس الفنية مكسب كبير لفايزة أحمد . فلم تستطع فايزة أن تدرك طوال سنوات زواجها بسلطان التي احتكر فيها صوتها ليلحن له وحده كل الأغاني أن زوجها ليس بهذه الألمعية و أن حنجرتها الغنية الدافئة أعظم من أن توضع تحت تصرف ملحن واحد حتي لو كان عبد الوهاب نفسه فما بالنا بمحمد سلطان ؟ ….
أسقط الطلاق "السلطان " من عرشه ، و انطلقت حنجرتها حرة تتنفس أفاقا فنية جديدة ، فكان لحن بليغ حمدي الخالد " حبيبي يا متغرب " الذي انطلق فيه صوتها كروانا طائرا يأسر المستمعين بسلطان إبداعه دون أن يكون لمحمد سلطان دخل في ذلك ! ففايزة أحمد كما قال عنها عبد الوهاب هي "السلطنة .. بعيدا عن سلطان !! "
للأسف الشديد لم يكن قد تبقي وقتا طويلا لفايزة في مرحلتها الجديدة ، فقد كانت علي موعد مع القدر .. مع المرض و العذاب و الإفلاس .. و يعود إليها محمد سلطان ليجدها بلا حول و لا قول ، مريضة فقدت أموالها و نصف وزنها و بقت حنجرتها أعجوبة في صمودها ، تزداد سحرا و فتنة مع الأيام .. الأيام الأخيرة ..
و كانت "لا يا روح قلبي " لحن رياض السنباطي هي الأغنية الأخيرة , و التي عانت فايزة أحمد الآمرين من أجل غنائها فبعد وفاة السنباطي تهدد المشروع بالتوقف ، لولا أن تقرر أن يقوم ابنه أحمد السنباطي الذي كان قد تزوج من ابنه فايزة أحمد أثناء بروفات الأغنية مع ابيه بآكمال اللحن الذي قيل أنه لا ينقصه غير رتوش قليلة ( و هو ما يفسر الدهشة التي قد تخطر بعقل المستمع الواعي حين يستمع الي طريقة إعداد الأغنية الأوركسترالي و الحليات الإيقاعية الغربية التي لم يلجأ إليها السنباطي الأب أبدا في حياته ) ثم دخلت فايزة في دوامة المرض و الزواج الفاشل و استغرق العمل في الأغنية سنوات ، ثم يشاء القدر أن يموت الشاعر الكبير حسين السيد مؤلف الأغنيه في فبراير ١٩٨٣ ، و تعود فايزة أحمد من رحلة علاجها الفاشلة بأمريكا و التي أيقنت فيها و أيقن من حولها استحاله شفائها و لكنها أصرت بعنادها المعروف علي تسجيل الأغنيه رغم سوء حالتها الصحية الشديد و لم تفلح كل محاولات من حولها و علي رأسهم حبيبها الفارس العائد محمد سلطان في إثنائها فظلت تصارع الألام و تصرعها طوال أيام التسجيل الأربعة لتسلم الروح بعد أيام قليلة من إنتهاء التسجيل
خرجت "لا يا روح قلبي " إلي النور بطلوع الروح ! .. روح ملحنها و مؤلفها و من غنتها ، لتكون حالة فريدة في تاريخ الأغنية المصرية و إذا كانت تبدو فأل شؤم علي أصحابها فهي أيضا فاتحة خير بما تركته من آثر في قلوب عشاق الطرب الأصيل ، غنت فايزة أحمد "لا يا روح قلبي " كما لم تغن من قبل ، صوت لا أثر فيه لمرض أو ألم ، يشدو بدلال فاتن و بإحساس يأخذك بصدقه بعيدا إلي أفاق العشق و الغرام ، و يتركك مهتاجا ، مشجونا ، لا تسترد نفسك إليك إلي بقطع الأنفس و ترديد آهات الأعجاب : الله .. يا ست فايزة !
إليك كلمات الأغنية التي كتبها الشاعر الرقيق حسين السيد ، غنتها فايزة أحمد و لسان حالها يبكي حالها و يهمس حبا لرفيق ١٧ من الغرام و النجاح ، محمد سلطان …..
لا يا روح قلبي ، قلبي أنا
مش أنا الي أحب و انسي ، مش أنا
ابعد أنت ، و مهما هيكون الألم
مش هفكر فيك بلوعة أو ندم
الليالي ، الي عاشها الحب وياك ملكي وحدي
مهما تبعد مش هتاخد ليلة واحدة م اللي عندي
لا يا روح قلبي أنا
مش أنا الي أحب و انسي
مش أنا …
****
يصعب عليه ، انسي رحلة عمري كله معاك
يصعب عليه ، لما تيجي سيرتك و اقول هنساك
لكن انسي ليه ؟
أنا هنسي أيه ؟
من قبل حبك أنا كنت أيه ؟
كانت حياتي أنا فيها أيه ؟
فراغ و وحدة و شوق سهران
و شموع تونسها جدران
لا حب فيها و لا حرمان
من النهاردة حعيش لأجمل حلم شفته
و هفتكر بدموع أحلي عمر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ