ثراء عصر الباروك الموسيقي مازال أمرا مثيرا للدهشة ، في هذا العصر الذي يحدد المورخون بدايته ببداية القرن السابع عشر (١٦٠٠) و ينهونه تقريبيا بوفاة "باخ " عام ١٧٥٠ بلغت الموسيقي أوج بهائها و إزدهارها، ٌآزدهارا لم تعرفه في عصور سابقه بل و ربما في كل تبعه من عصور أو يجدر بنا القول أن ما عايشته الموسيقي في هذا العصر من تطور كبير في القواعد و الأساليب كان أضعاف ما عرفته الموسيقي من تطور في تاريخها السابق كله و ما أرساه من تقاليد فنية كان أساسا للتتطورات اللاحقه في القرنين الثامن و التاسع عشر.
امتاز تيار موسيقى عصر الباروك باتساع و تنوع رقعته، فلم يقتصر الإنتاج الموسيقي علي قطر واحد بل اتسع ليشمل عددا من المدارس المختلفة في العديد من البلدان الأوربية . فبدأ بدايته الحقيقية في إيطاليا بظهور العبقري مونتيفردي Monteverdi(١٥٦٧-١٦٤٣) الذي أخرج أول أوبرا حقيقية و خلافاءه من أمثال "كوريللي Corelli ( ١٦٥٣-١٧١٣) و فيفالدي Vivaldi(١٦٧٠-١٧٤٣) و "سكارلاتي "Scarlatti(١٦٨٥-١٧٥٧) و قد كان لمدرسة الباروك الإيطالية فضلا عظيما علي موسيقي ذلك العصر فقد أرسي أعلامها القواعد الخاصة بقوالب السوناتا و الفوجه Fugeو الكونشرتو ، كما نشأ علي أيديهم فن الأوبرا و إلي جانب المدرسة الإيطاليه كان هناك الباروك الإنجليزي الذي حمل لواءه "هنري بورسل " Purcell الذي ألف عددا كبيرا من الأوبرات تأثر فيها إلي حد كبير بالأوبرا الإيطالية و أيضا بإسلوب معاصره الفرنسي " لوليLully(١٦٣٢-١٦٨٧)الذي قاد بموهبته الثورية هو و معاصره"كوبران " Couperin(١٦٦٨-١٧٣٣) ثم "راموه " Rameau( ١٦٨٣-١٧٦٤) مدرسه الباروك الفرنسيه التي صنعت للموسيقي الفرنسية إسلوبا خاصا و سمعة ممتازه تجاري الإيطاليون فيما حققوه من نهضة موسيقية ، أما ألمانيا فقد كانت الموسيقى فيها أقل شأنا من نظيرها في إيطاليا و فرنسا إلي أن جاء العبقري العظيم " يوهان سبستيان باخ" (١٦٨٥-١٧٥٠) الذي اقترنت موسيقى الباروك باسمه و قدم أروع و أخلد منجازاتها و ارتفع بالموسيقى إلي سموات علا لم يطأها عقل قبله و لا بعده.
*******
"إننا لا نقيم وزنا لما كان للقرن الثامن عشر من علم لاهوت و من ثقافة كنسية و لكننا نري في منشدات باخ و قصص الآلام التي وضعها أعظم ترقية للثقافة المسيحية "
هرمان هيسه - "لعبة الكريات الزجاجية "
كان القرن السابع عشر و الثامن عشر في أوربا عصر "العقل" الذي قام من سباته الطويل لينشأ للإنسانية فوق أنقاض اللاهوت المهزوم صروحا فكريه أخاذه منتقلا من نصر إلي نصر، ثورات كوبرينكوس ثم و نيوتن و جاليليو اللاتي طردن من الكون أشباحه و أساطيره فصار قريبا ممهدا للعقل ليعمل فيه أدواته و مقاييسه بلا خوف و أخذت المسيحية يوما بعد يوم في الإنزواء تخسر كل يوم موقعه خلف الأخرى فأقصيت الكنيسة من شؤون الحكم و الفكر إن لم يقف منها المفكرون و الساسة موقف عنيف معادي و أصبحت قصص الكتاب المقدس و مواعظه و فلسفته ضربا من الثقافة الهامشيه التي أُعتقد أنه ربما كان من الأفضل تجنبها و اختفت صوره من الأدب كما اختفت الأطروحات الكنسية من الفكر، و كاد يختفي المسيح و صليبه و أمه المكلومة و حورايه من الفن التشكيلي بعد أن حلت محلهم بدينات "روبنز " العاريات و ملائكة "الركوكو " الأشقياء ، بقت الموسيقى وحدها مأوي المسيحية الأخير الذي لم يتقوض بل أخذ على عكس التيار الثقافي العام يزدهر و يزدان بكل ما هو جديد،رغم أن هذا العصر قدم فن الأوبرا الذي أرضى بظهوره في إيطاليا أولا ثم في باقي البلاد الأوربية الذوق الناشئ عن ما عصف بالمجتمع من تغيرات ثقافيه كبيرة، فقد أخرجت الأوبرا الموسيقى من الكنيسة، مكانها الأثير في العصور السابقة .فالموسيقى قبل ذلك كانت كلها تقريبا إما موسيقى شعبيه خفيفة لم يعتد بها التاريخ و لا بمؤلفيها ولم يحفظ لنا الكثير مما أنتجته، و إما موسيقى دينية تحتضنها قاعات الكنائس و تُخصص لها فرق الكورال و تٌعين لها المؤلفين ، جاء فن الأوبرا بشكل موسيقي مختلف أقبل عليه برجوازيوا العصر الجديد بحماس ليحقق في فترة وجيزة نجاح كبير و انتشار عظيم الإتساع. ظهر فن الأوبرا ليكون خير ممثلا للنزعة الإنسانية التي أجتاحت الفكر الغربي في عصر النهضة و استلهمت مثلها في الفنون و الأداب من تراث الثقافة الإغريقيه القديمه الذي تصاعد الولع بكشف كنوزها و محاكاة قيمها الجماليه .نقول أنه رغم ظهور فن الأوبرا وإثباته لجدارته كفن قادر علي البقاء و التطور إلا أن الموسيقى الدينية لم تتأثر سلبا. لم تسلب الأوبرا بمسارحها الباذخة و نصوصها الدنيويه و أساطيرها القديمة وثنية الطابع و مويسقاها حسيه الإيقاعات سحر الموسيقي الدينيه فبقت آمنه محتفظة بمكانتها و لم يصبها ما أصاب صروح المسيحية الأخرى من وهن بل ارتفعت و تسامت أبداعاتها أكثر من أي وقت أخر و أصبحت بفضل عظمة مبدعيها قلبا للثقافة المسيحية النابض بالحياة و الجمال التي خفتت أصواتها في كل مكان ، ربما نفر مفكر حر من تقليد كاثولكي ما، ربما هاجم المسيحية و أغلظ فيها القول، ربما استنكر ناقد فنى ما في كتابات تولستوي الأخيرة أو أشعار ت.س. إليوت T.S.Eliot من روح صوفيه و نزعات وعظية دينية و لكن لا يملك كلاهما إلا إبداء الخشوع و الإجلال إذا ما استمعا إلى قداس لباخ أو أوراتوريوا Oratorio لهاندل ، مع أن دوافع "باخ " في تأليف قداسه لا تختلف كثيرا عن دوافع تولستوي في كتابة " البعث " مثلا، فكلاهما أنتج ما انتجه مدفوعا بإيمان ديني عميق و ورع صادق و حس أخلاقي أكيد.
و لكن يبدو أن عظمة "باخ" الموسيقية قد فاقت كل ما تحتويه موضعاته من فكر و معان أو هي قد بثت في تلك الموضوعات روح عجيب أعاد خلقها من جديد ،فبدت لكل من امتلك حس مرهف ساحرة خلابه باعثه على خشوع غامض،أيما كانت ثقافة المستمع و عقيدته و مهما كان موقفه من المسيحية أو معرفته بثقافتها و قصصها، خلاصه القول أنه إذا كانت المسيحية قد تراجعت مدحورة في الكثير من شؤون الحياة في ذلك العصر فقد إشرأبت عنقها إلي السماء و استطالت بفضل موسيقي الباروك الدينية ثم موسيقى العصر الكلاسيكي التالي، لقد ساهمت إسهاما عظيما في الحفاظ علي رونق الثقافة المسيحية و حمايتها من الإضمحلال ، لقد انتصرت الموسيقى للمسيحية في الفن !
******
لو أردنا الحديث عن نموذج

































