السينما الألمانية .. فاكهة ال Eurocinema *
"باول فاجنر " , "فريتس لانج " , " مورناو " , " فولفجانج شتاوده " ,
"فاسبيندر " و "فيم فندرس ".. و عشرات غيرهم من المبدعين الألمان , أثروا السينما بأفكارهم و تجاربهم الخلاقة و حافظوا على فردانية هذا الفن هناك و أصالته , مجددين من دماءه رغم تعاقب المحن عليه , محلقين به إلى أفاق رحبة من الموضوعات و الجماليات .
و تعود برلين اليوم بإستديوهاتها العملاقة و مهرجانها الشهير محطا لأنظار المهتمين بالسينما فى كل العالم , و يعود الفيلم الألمانى ليتواصل مع تاريخه العتيد , يصلح ما انقطع و يستعيد عافيته مشرقا كل حين بوجه جديد
و فى مهرجان الEuro Cinema بالأسكندرية نشاهد التجربة السينمائية الأولى لإثنين من المخرجين , أحدهما فاز بالأوسكار و الأخر على عدد كبير من الجوائز , مما يبشر بمستقبل واعد لكلا المخرجين , و شباب دائم للسينما الألمانية .
******
" حياة الآخرين " .." تسقط إمبراطورية الخوف !"

لو تتبعنا مسار السينما الألمانية منذ نشأتها فى نهاية القرن التاسع عشر و حتى اليوم لوجدنا أنها من أكثر السينمات فى العالم إرتباطا بتاريخها السياسى , إما بالدعاية له كما حدث خلال الحقبة النازية أو بعض الأفلام التى إنتجت فى ظل النظام الشيوعى بألمانيا الشرقية , إما بعكس وقائعه أو تحليلها خلال مراحله المختلفة المضطربة . و لعل مرجع ذلك إلى أن الإنسان الألمانى لم يعد فى مقدوره أن يعزل نفسه عن هذا التاريخ , إن الأحداث الجسام و التحولات العظيمة التى مرت بها أمته من حربيين عالميتين ثم سقوط مدوى و إنقسام مرير إلى تحديات ما بعد الوحدة , كل هذا الزخم السياسى يشكل خلفية فكرية لحياة الشعب الألمانى لها اليد العليا فى صنع قراراته و اختيار مواقفه و هى بالتالى تفرض حضورها حيا قويا فى عقل المبدعين هناك .
منذ سقوط سور برلين عام 1989 دخلت السينما فى ألمانيا مرحلة جديدة تهدف إلى تقييم مرحلة الإنقسام السابقة و كشف أغوارها التى كانت من قبل محاذير محكمة الغلق لا يمكن الإقتراب منها ..
فى فيلم Das Leben der Anderen أو "حياة الآخرين " تنقلنا الأحداث إلى برلين الشرقية عام 1984 , هذا العام الذى إختاره " جورج أورويل ( 1903-1950) George Orwell ليكون مسرحا لنبؤاته السياسية فى روايته الاخيرة و الشهيرة "1984" , التى تتشابه خطوطها الرئيسية و أحداث الفيلم فشخصية الأخ الأكبر Big Brother الذى مارس تسلطه السياسى بمراقبة أصغر التفاصيل فى دولته حاضرة , ممثلة فى النظام الألمانى الشرقى و دكتاتورية حزبه التى كانت سياسات الجاسوسية و الترهيب مفردات فلسفتة الرئيسية …
يخوض بنا الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار و 42 جائزة أخرى الأجواء العتمة لنظام شمولى بوليسى إذا كانت أوربا قد تخلصت منه بعد سقوط السور و تداعى دكتاتوريات أوربا الشرقية , فمازلنا نحن شعوب الشرق الأوسط نرسف فى أغلاله و نبغى خلاص قريب ..
و لأن الفن هو الحرية , فلابد أن تشهد ساحاته أشرس صراعا مع الإستبداد لذلك اختار مخرج الفيلم Florian Henckel von Donnersmarck شخصية كاتب مسرحيا هو " جورج دريمان " ليكون بطله فى مواجهة إخطبوط السلطة , فهو رغم إلتزامة الإشتراكى يقف بشجاعة موقف المعارض لسياسات الحزب البوليسية و يعلن إستياءه صراحة مما يسبب له المتاعب و قد شعرنا أن هذه الشخصية البراقة التى تتعاطف معها فور ظهورها على الشاشة مستوحاه من شخصية هرم المسرح الألمانى الحديث " برتلوت بريشت " Bertolt brecht المعروف بحماسته الثورية ضد الإستبداد , فقد حارب النازية فى منفاه حرب ضروس , و لم يمنعه إيمانه الماركسى حين عاد إلى ألمانيا الشرقية من توجيه الإنتقادات لحكومتها . و مثل " دريمان " كان "برشت " متزوجا من ممثلة هى "هيلينه فيجل " التى قامت بدور البطولة فى عدد من مسرحياته مثلما مثلت كريستا ماريا بطلة الفيلم فى مسرحيات حبيبها. بل لقد أطل "بريشت " بإسمه علينا فى الفيلم , فهو الكاتب المفضل لدى "جورج دريمان " و هو الذى بسطوره الشعرية الرقيقة أيقظ واعظ الضمير فى نفس المحقق"فيسلر" Wiesler لتعود إليه إنسانيته التى تاهت فى عتمة إنتماءه الحزبى .
يكلف " فيسلر " بمراقبة الكاتب " جورج دريمان " لشكوك الحزب فى إنتماءاته , يراقب التليفون و تزرع الميكروفونات فى بيته فى كل مكان لتصبح " دبة النملة " مسموعة ..
"فيسلر " شخص باهت , صارم التقاسيم , يلبس لونا واحد , رمادى كريه يتحد بلون حوائط غرفة المراقبة فيخفيه , شديد الإنضباط حتى فى ممارسته للجنس إنه أقرب إلى أله منه إلى إنسان أو هو الإنسان المثالى الذى يريد أن يخلقة النظام الشمولى , عقربا فى ساعته , مسمارا فى آلته الهائلة لا وجود و لا معنى له خارجها , الإنسان المعلب الذى تحدث عنه ألدوس هكسلى فى روايته " عالم رائع و جديد "
لم يخطر ببال المحقق " فيسلر " أن تغير عملية مراقبته "لجورج دريمان " مجرى حياته , لقد واظب عليها ليلا و نهارا و إذ بها و قد أخذت بشغاف قلبه و ملكت عليه وجدانه و نفخت داخله روح حياة حقيقية ليست حياته السابقة فى مقابلها إلا الموت بعينه , تخرج إنسانيته المكبوته فى قممها سنوات طويلة , يكبر ضميره على أحاديث الحب والحرية التى إستمع إليها مأخوذا بهذا العالم الذى لم يعرفه , أحاديث إرتجت أصدائها داخله فعصرته , بدلته , فإذ به يضع تقاريرا ذائفة تضلل الحزب و تخفي حقيقة ما يجرى فى بيت "جورج " من كتابة مقال عن معدلات الإنتحار المتصاعده فى ألمانيا الشرقية وعدد الفنانين الذين أقدموا على ذلك مما يشير بأصابع الإتهام إلى ممارسات الحكومة القمعية ..
كان Ulrich Mühe الممثل الذى قام بدور "فيسلر " عظيما فى أداءه إلى حد الإعجاز , هذا الممثل العبقري قد فارق الحياة منذ أشهر قليلة و قد صرح يوما بأنه عرف فى حياته ما عرفه "جورج دريمان " . فقد كان يعمل ممثلا مسرحيا بألمانيا الشرقية و تعرض للمراقبة من قبل الحزب الشيوعى و اكتشف أن زوجته كانت تتجسس عليه لصالح الحزب و كذلك عدد من أصدقائه .. أعتقد أن مخرج الفيلم لم يكن يحلم بأكثر من تلك البراعة فى الأداء التى تدفقت بها موهبة فاحشة الثراء إستطاعت أن ترصد الشخصية فى مختلف تطوراتها و تقلباتها
كذلك كان أداء Martina Gedeck , الممثلة جميلة الملامح التى برعت فى تصوير
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |